هل يستبدل الذكاء الاصطناعي الصحفيين؟
كنت صحفياً قبل هذا كله. والذي أعرفه أن الكتابة لم تكن قط الجزء الصعب في الصحافة.
كنت صحفياً قبل أن أعمل في هذا المجال. ولهذا أقولها من الداخل: الكتابة لم تكن قط الجزء الصعب في الصحافة.
الجزء الصعب أن تجعل شخصاً يخبرك بما لا يريد قوله، وأن تتحقق منه، وأن تنشره وأنت مستعد للدفاع عنه.
ما يُؤتمت فعلاً
تقارير النتائج المالية. ملخصات المباريات. نشرات الطقس. تحويل بيان صحفي إلى خبر. الترجمة الأولية. تفريغ المقابلات، وهو أكبر توفير حقيقي في اليوم الصحفي.
وهناك ما هو أبعد: غرفة أخبار مؤتمتة سبقت الصحفيين إلى خبر بثلاث ساعات، وهو ما تناولته في غرفة أخبار سبقت الصحفيين.
ما لا يُؤتمت
المصدر. علاقة بُنيت على سنوات من الثقة. لا يتصل أحد بنظام ليسرّب له وثيقة.
التحقق. أن ترفع الهاتف وتسأل شخصاً ثالثاً. وهذه المهارة صارت أثمن لا أرخص، لأن كمية المحتوى المولّد جعلت التمييز أصعب.
الحضور. أن تكون في المكان وترى ما لا يظهر في بيان.
المسؤولية. حين يُنشر خطأ، شخص يعتذر ومؤسسة تتحمل. النظام لا يعتذر.
الزاوية العربية
الصحافة العربية تعاني أصلاً من الترجمة السريعة عن مصادر أجنبية بلا تحقق. الأدوات ستضاعف هذه المشكلة، وستضاعف في المقابل قيمة من ينتج تقريراً أصلياً من المنطقة.
بعبارة أخرى: من كان يعيد صياغة أخبار وكالات في خطر حقيقي، ومن يذهب ويسأل ويتحقق سيجد سوقه يتسع لأن المنافسة على «إعادة الصياغة» انتهت.
وماذا يعنيني؟
إن كنت صحفياً: استعمل الأدوات في التفريغ والبحث في وثائق كثيرة، لا في الكتابة. أول استخدام يوفر ساعات، والثاني يوفر دقائق ويكلّف مصداقية.
إن كنت محرراً: اكتب سياسة واضحة عن ما يجوز وما لا يجوز، وأعلنها. الشفافية هنا أصل تحريري لا عبء.
إن كنت قارئاً: اسأل عن المصدر قبل أن تسأل عن الكاتب. المهارة التي تحتاجها الآن هي التحقق، وهي أسهل مما تظن.
الخلاصة
لن يُستبدل الصحفيون، لكن سيُستبدل من كان عمله إعادة صياغة ما وصله. والمهنة تعود إلى جوهرها: من يعرف شيئاً لا يعرفه غيره، ويستطيع إثباته.
جرّب اليوم: خذ آخر خبر شاركته، وابحث عن مصدره الأول. إن لم تجده في ثلاث دقائق، فهذه معلومة عن الخبر.
أسئلة شائعة
- هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي الصحفيين؟
- سيستبدل من يعيد صياغة بيانات ووكالات، ولن يستبدل من يبني مصادر ويتحقق ويحضر. الخبر الذي يبدأ من وثيقة قابل للأتمتة، والخبر الذي يبدأ من شخص لا يريد الكلام ليس كذلك.
- ما أفضل استخدام للأدوات في العمل الصحفي؟
- تفريغ المقابلات والبحث داخل كميات كبيرة من الوثائق. هذان يوفران ساعات حقيقية، بخلاف الكتابة التي توفر دقائق وتكلّف مصداقية.
- ما الخطر الأكبر على الصحافة إذن؟
- الإغراق لا الاستبدال. حين يصبح إنتاج نص معقول شبه مجاني، يمتلئ الفضاء بمحتوى صحيح الشكل مجهول المصدر، فترتفع قيمة العلامة الموثوقة.
- كيف يتحقق القارئ العادي من خبر؟
- ابحث عن المصدر الأول لا عن الناقل. إن لم تصل إليه خلال دقائق قليلة، فهذه بحد ذاتها معلومة عن جودة الخبر.
لا توجد تعليقات بعد
اترك تعليقاً